الكاتب سعيد حجي يبحث عن ذاته عبر ذاكرة الماضي في ميتا فورالصورة -عبد الرحيم هريوى -خريبكة اليوم - المغرب
Said Hajji
من كتاب رائع وجميل" بين ثقافتين" للكاتب السوداني معاوية محمد نور
« ذلك الشخص الذي يرى حين لا يرى الآخرون والذي لا تقع عينه على خلاف ما تقع عليه الأعين.غير أنه يرى فيها مالا يراه بقية الناظرين»
كتبت حروفك بهدوء وكل من يقرأ نصك هذا يعرف بأن الأدب يتفوق على الفلسفة لأنه يجتمع فيه مالا يجتمع فيها الجمال والفن..القليلون منا ما يكتبون أحداثهم اليومية لأنها ٱمتحان يعاش ..كيف نصنع لنا رؤية من فكرة..كيف نمشي في يومنا بين الأمكنة التي نحبها ونحن نحمل معنا ذاكرتنا بل مكتبتنا المتنقلة كما سبق أن عبرت عن ذلك الروائية والناقدة المغربية زهور ݣرام ..كثير هو الكلام ..لكن ما يفيد القليل منه حينا ..وقد صدق باخثين لما قال :"لا وجود لنص بكر بل كل نص هو ٱمتداد لنص قبله "
وما كان لي بأن أمر دون أن أترك بصمة مروري بعدما عشت لحظات عشقي للحرف معك عبر هذا المنشور .
لم يعجبني هذا الصباح سوى منظر طفل لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره، كان جالسا تحت ظل شجرة في الحديقة العمومية القديمة، يحتضن كتابا بكلتا يديه، ويقرأ في هدوء عجيب. جلست قبالته فوق مصطبة إسمنتية، ولم أجد في الحديقة كلها ما يستحق أن تقع عليه عيناي أكثر من ذلك الطفل. كان إلى جواره أخ يبدو اصغر منه بقليل، ينشغل بما ينشغل به أغلب الصغار، أما هو فقد اختار أن ينسحب من ضجيج العالم كله، ويدخل إلى عالم آخر لا تفتح أبوابه إلا الصفحات.
راقبته طويلا، ربما نصف ساعة كاملة، وخلال كل ذلك الوقت لم يرفع رأسه عن الكتاب إلا لحظات خاطفة. كانت الذبابات تحط على وجهه، ثم على قدميه، فيهشها بيده في هدوء، وتعود عيناه في اللحظة نفسها إلى السطور. لم أشعر أنه كان يقرأ كتابا، لقد شعرت أنه كان يعيش داخله. هناك فرق كبير بين من يمر بعينيه على الكلمات، وبين من تبتلعه الكلمات حتى ينسى ما حوله. وذلك الطفل كان من الصنف الثاني.
في تلك اللحظة عاد بي الزمن سنوات طويلة إلى الوراء، إلى شجرة بلوط كانت تقف خلف دارنا، ما زلت أذكر ظلها البارد في عز الصيف، وما زلت أذكر كيف كنت أهرب إليها كلما وقعت بين يدي رواية جديدة. تحت تلك الشجرةذرفت الدموع مع صفحات العبرات،وتجولت بين مقالات النظرات للأديب مصطفى لطفي المنفلوطي، وهناك عرفت قنديل أم هاشم للأديب يحيى حقي، وهناك أيضا رافقت أبطال الأجنحة المتكسرة لجبران خليل جبران. كانت الشمس تتحرك فوق رأسي وأنا لا أشعر بها، وكانت الساعات تمضي حتى يخيل إلي أن النهار كله لم يكن سوى صفحة واحدة من كتاب...
جيل كامل تربى على هذا النوع من العزلة الجميلة. كنا نجد في الكتاب صديقا لا يمل، ونافذة تطل على بلاد لم نزرها، وأشخاص لم نلتق بهم، وتجارب لم نعشها. كنا نكبر مع كل رواية، ونخرج من كل قصة بإنسان جديد يسكن داخلنا. كانت الكتب تعلمنا أن الحياة أوسع من الأزقة التي نسكنها، وأن الفقر لا يمنع الإنسان من أن يجوب العالم إذا امتلك مكتبة صغيرة.
ذلك الطفل أعاد إلي كل تلك الذكريات دفعة واحدة. أعاد إلي رائحة الورق القديم، وصوت تقليب الصفحات، وذلك الشغف الذي كان يجعلنا نقرأ حتى تغلبنا غفوة قصيرة والكتاب فوق صدورنا. أعاد إلي زمنا كان فيه الكتاب حدثا ينتظر، وكانت زيارة المكتبة تشبه زيارة صديق عزيز، وكانت الرواية تسافر بين الأيدي حتى تهترئ أغلفتها من كثرة القراءة.
اعترف أنني كنت قد بدأت أفقد الأمل. كنت أعتقد أن الهواتف الذكية ابتلعت هذا الجيل، وأن الشاشات الصغيرة استطاعت أن تنتزع من الأطفال تلك القدرة العجيبة على الجلوس ساعات مع كتاب واحد. كنت أظن أن الورق صار يعيش أيامه الأخيرة، وأن المكتبات ستتحول مع مرور الوقت إلى متاحف يزورها الناس لالتقاط الصور، ثم يغادرونها كما يغادرون أي مكان أثري.
ذلك الطفل هدم كل تلك الأفكار في نصف ساعة.
أدركت أن الحقيقة لا تبنى من مشهد واحد، كما أن اليأس لا يحق له أن يحكم على أمة كاملة. ففي كل زمن يعلو فيه الضجيج، يبقى هناك من يبحث عن الصمت. وفي كل عصر تزدحم فيه الشاشات، يبقى هناك من يفضل مصباحا صغيرا وصفحات صفراء تفوح منها رائحة الحبر.
تعلمت هذا الصباح درسا جديدا. الثمار الطيبة لا تحدث ضجيجا وهي تنضج. الشجرة تنمو في صمت، والكتاب يغير قارئه في صمت، والعقول الكبيرة تتكون بعيدا عن الأضواء. كل شيء عظيم يبدأ هادئا، ثم يأتي أثره بعد سنوات. لذلك فإن أخطر ما يمكن أن يفعله الإنسان هو أن يحكم على المستقبل بعيني الحاضر فقط.
كثيرون يشتكون من انحدار الذوق، ومن انتشار التفاهة، ومن هيمنة المحتوى السريع، ثم ينسون أن الشعوب لا تقاس بما يملأ الشاشات، الشعوب تقاس بما يملأ العقول. فالتافه يصرخ حتى يسمعه الجميع، أما القارئ فيجلس تحت شجرة، أو في زاوية مكتبة، أو في آخر مقعد داخل حافلة، ويبني نفسه بعيدا عن الأنظار. وعندما تمضي السنوات، يذوب الصراخ في الهواء، ويبقى أثر ذلك القارئ في كتاب، أو فكرة، أو موقف، أو إنسان آخر تعلم منه.
أحيانا نبالغ في الخوف على الأجيال القادمة، حتى نخيل لأنفسنا أن كل شيء انتهى، وأن الكتاب خسر معركته الأخيرة. ثم يظهر طفل لا يعرفه أحد، يجلس تحت شجرة، ويقرأ في هدوء، فيعيد ترتيب كل الأحكام التي صنعناها على عجل. الحياة لا تزال تنجب من يحمل المشعل، والورق ما زال يجد من يمد إليه يده بمحبة، والكتب ما زالت تعرف طريقها إلى القلوب التي تبحث عن معنى أعمق من صورة عابرة أو مقطع لا يعيش أكثر من دقائق.
بعد نصف ساعة نهضت من مكاني، وسرت في الممر المؤدي إلى باب الحديقة. مررت بجانبه ببطء، فرفع رأسه للحظة قصيرة، ونظر إلي بعينين هادئتين. ابتسمت له وقلت: استمر... أحسنت.
لم أسأله عن اسم الكتاب، ولم أطلب أن أرى الغلاف، ولم أهتم باسم الكاتب أو دار النشر. كان يكفيني أنه يقرأ. بعض التفاصيل الصغيرة لا تضيف شيئا إلى جمال المشهد، وبعض الأسئلة تفسد لحظات خلقها الله كاملة.
خرجت من الحديقة وأنا أشعر أنني ربحت هذا الصباح أكثر مما كنت أبحث عنه. دخلتها أفتش عن قليل من الهدوء، وغادرتها وأنا أحمل يقينا جديدا بأن الأمة التي ما زال بين أطفالها من يختار كتابا على حساب الهاتف، لم تفقد طريقها بعد، وأن الضوء الذي نبحث عنه طويلا قد يكون جالسا في هدوء في زاوية ما ، يقلب صفحة تلو أخرى، دون أن يدري أن رجلا مر من هناك، واستعاد بسببه إيمانه بمستقبل كامل.
- مقتبسات رقمية مفيدة للمنشور
ميتافور الصورة أو الاستعارة البصرية (Visual Metaphor) هي طريقة لتوصيل فكرة صعبة أو غير مألوفة من خلال إظهار صورة لشيء واقعي ومألوف يشبهها، لنقل المعنى الخفي بعمق وبدون كلام.
مفهوم ميتافور الصورة
- التعريف: تمثيل فكرة أو شعور برمز بصري واقعي.
- الهدف: تقريب المعنى الضمني وجعل الصورة تروي قصة أو تبث شعوراً قوياً.
- التأثير: تنشيط خيال المشاهد وجعل الفكرة تترسخ في ذهنها أسرع من النصوص الطويلة

تعليقات
إرسال تعليق