في ذكرى 20 غشت:نوسطالجيا بطعم الألم.في ذكرى مدينة منكوبة..خريبݣة اليوم- المغرب


 في ذكرى 20 غشت: نوسطالجيا بطعم الألم..في ذكرى مدينة منكوبة...

  دخلت مدينتي على حين غفلة، افتقدها، فعدتُ إليها، تمنيتُ أن أحضنها، فركْتُ عيناي، لم أصدق ما رأيت، وليتني ما رأيت، رأيت أشلاء مدينة منكوبة، لم أعرفها، تغيرت الوجوه، تغيرت الأمكنة. 

وا أسفاه أين مدينتي، أين اختفت معالمها.

دعني أستشرف المكان، هذا ما تبقى من بعض ملامح الشارع الطويل، الذي كان يتوسطها، والذي كنا نلقبه بطريق الدار البيضاء. 

هنا قرب فندق باريس، كانت تركن شاحنات طويلة، قادمة من معامل السكر بسوق السبت، كنا صغارا نسترق لحظة غفلة السائقين، وهم يحتسون [حَريرة عْزَيْزَة] اللذيدة، أو يرتشفون كؤوس الشاي المنعنع في مقهى [النّْوَاكْرَة]، فنأخد بقايا الشمندر المتساقطة على جنبات الحاويات، كم كانت حلوة ولذيذة.

 هناك غير بعيد، تتراءى بناية الكنيسة، قرب الساحة، التي تحولت إلى محطة طرقية، يتوسطها قوس شامخ، يقاوم التآكل، وهو مدخل المدينة القديمة، أسير بخطى وئيدة، أستحضر المشاهد في ذاكرتي،  على يميني ويساري، تصطف دكاكين صغيرة، تقدم خدمة الإطعام لكل الزبناء. على يميني، دكان أنيق لبيع الأحذية، تتوسطه أريكة، يجلس عليها رجل وقور بجلبابه الأنيق، وطربوشه الفاسي، كان يبدو عليه الجد، لحد لا يطاق، كانت هيأته تخيفنا، فلا نقترب من دكانه، ونلقبه بمالك الحزين، يحيط به ولداه، وكأنهما تمثالان لا يتحركان.

 أتابع سيري، فتظهر على الجانبين أستوديوهات التصوير الفوتوغرافي، وبعد خطوات أجدني في قلب الساحة، القلب النابض للمدينة، والتي تتحول كل مساء، إلى مسرح كبير، تلعب فيه كل أدوار التراجيديا والكوميديا السوداء.

تَمُرُّ المشاهِدُ الآن أمامي، في بَثٍّ حَيّ ومُباشر: 

  في زاوية هناك من السّاحة، يجلسُ رجُل قَصير بطرْبوشِه الأحمر، وجِلبابه الأبيَض الأنِيق، يُمْسِك بيده اليُسْرى كتابا أوراقه صفراء، يَسْرد فيه بنَخْوَة وبصوتٍ خافِتٍ أزَلِيات عنْترة بن شداد العَبْسي، الفارسُ المغوار، والشاعر الذي لايُشَقُّ له غُبار، العاشق الأزلي لعَبْلَة، والقائلُ في مَدْح الذات: 

لَئِنْ أكُ أسْوداً فالمِسْكُ لَوْني

وما لِسَواد جِسْمي من دواء 

ويتفاعَلُ مع ملاحِم "سيْف بن ذي يَزَنْ" الذي يَصُولُ ويَجُول بين جيُوش الأحْباش، لَيّاً بالرِّقاب، قطْعاً بالأعْناق، ورَفْساً بالأقْدام لطَرْدِهم من اليَمَن، وقدْ تحَلَّق حوْلَه رجال أغْلبُهم شيُوخ، تسَمَّروا في أماكِنهم مَشْدُوهين، وكأنهم في قلب تلك المعارك الضّارية أبطال لايُقْهَرون، وعُشاقٌ لعَبْلَة، في حِبالِ غَرامِها هائِمون... 

    غير بعيد، تَتعالى قهْقَهات لِمُنْتَشِين بشَطحات رُواد الفُكاهة في زمانِهم " نْعَيْنِيعَة " و" ولد خَرْشَاش " و" لَمْسَيَّحْ " وهم يُبْدِعُون في فصُول كومِيدْيا سَوداء، عَجَزَتْ أعْتَى مَسارح العالم عن إيجاد نظِير لها ...  

في غفْلة من الجَميع، تَغْمُر المكان سَحابة من دخان الشّواء، المَمْزُوجة بأغاني أم كلثوم الخَالدة، وناس الغِيوان الثَّورية، المُنْبَعِثَة من المَقاهي الشّعْبِية المُحيطة بالسّاحة، في مشْهد يُوحِي وكأنّها  قَنابل غَاز ألْقِيَتْ لِلتَّوِ لتَفْريق مُظاهرة حاشِدة، ضِدَّ مُنظمة "إيطا" الباسْكِيَّة الثَّوْرِية الإنْفِصَالية.😜

في الزّاوية المُقابلة، تَرْبِضُ جماعات مُتَفَرِّقة من الحصَّادين، يحْمِلُون مَناجل تلْمع لمَعان السُّيوف البتَّارة، ويَرْتَدُون دُرُوعا واقِية من الأشْواك، لو رأيْتَهم لَخِلْتَهم فُلُولا مِن مُحاربي السَّامُورَايْ، وقد عادوا لِتَوِّهم من إحْدى الحُروب الطاحِنة، في العهد الإقْطاعي لبلاد ما وراء الشّمس. 

تتزاحَم المشاهد حولي وتتسارع، في ساحة تعُجُّ بكل أطْياف المُجتمع، في لَوْحَة سُورْيالية عَجيبة وتراجيديا أبْطالها: شَحَّاتُون، نَشَّالُون، صَعاليك ومَجانين :  "القُرْطاس"، وكْوَيْدْرَة، و"غْلَيْمَة حمَّالةُ الصُّرّة "، و"فافُورِيتْ" وهي تداعب بشَفَتَيْ فمها الأدْرَدِ عَقِبَ سيجارة مُتآكِلة نَفَذ تِبْغها، وتَتَقَدَّمُ الجميع المُلَقَّبة ب " العَوْدَة " جالسة القُرْفُصاء قُرْب دُرْج نافُورة السُّوق العَصْري للمدينة، تُراقب لَفِيفاً من أولادها، وقَدْ لَعِب مُخَدِّر "السِّيلِسْيُونْ" و "السِّيرَاجْ " بعقولهم، وهم يُدَغْدِغُون مَشاعر  "ولْدْ لَمْهاوْشَة " بكلمة "العَسَل"  التي كلما سَمِعها فعَلتْ فيه مفْعُولها السّحْري، فيبتَعِد مُهَرْولا، وهو يُرَدّد لازمته الأبَدية:  "المَوْوْوْتْ " " وَاااكُلُو دْيالْكُمْ يالْقَمَاقِيمْ"  

تلك أيام خَلَتْ، راحَتْ من عُمري، كما راحَتْ معالم تلك المدينة الجميلة، التّي كانتْ تحمِلُ يوما ما اسم "باريس الصغيرة" والتي لو سُئلتْ بأي ذنْبٍ قُتِلتْ؟ لقالتْ: 

قتَلني أبْنائي، وشَيَّعني إلى مَتْوايَ الأخير حَفَدَتي، فلا أشجار التّوت أزْهرتْ، ولا أشجار مِسْك الليْل أيْنَعتْ، ولا عُيون ماء رقْرقَتْ، لتُغَدي بُحيْرة اجْتَثُّوا شُجَيْرتها النّاذرة، وحَوّلوها إلى مُسْتَنقع، ماتَتْ فيه الأسماك واسْتوطنَته الضّفاضع والصراصير.  

  وااا أسفي عليك يا مدينتي😥 

ما تبَقَّى غيْر أشْلاء لفسْتان مُمزّق، لعرُوسٍ بكَتْ بالدمّ في ليلةِ عمرها، بعدما تبادل أبناؤها السياسيون الانتهازيون الجاحِدون في هتْكِ عذريتها، وبعدما أشبَعوا نزوات جشَعهم المادي، وَأَدُوها ودسُّوها في التُّراب ليغسلوا عارهم. ثم حَوَّلوا أهازيجَ حفْلها نَحِيبا، ضربوا الدُّفوف وصفّقوا بالكفوف، وتشببوا بالمزامير، وأقاموا حفلةَ "زار"، ثم شَرِبُوا نَخْبَ موتها كأس الغَدر حتى الثَّمالة.

فبِئْس الخَلَف الخائن للعهد، لخيْر سَلَف سال دمه فِداءً لحُريتها. وَوَيْحَ قوْم على حَدّ قوْل "المُتَنبي": لو مَسَّتِ النِّعالُ وجُوهم .... شَكَتِ النِّعال بأي ذنْبٍ تُصْفَعُ...

تعليقات

في رحاب عالم الأدب..

سي محمد خرميز أيقونة من أيقونات المدينة الفوسفاطية.. بقلم عبد الرحيم هريوى الدار البيضاء اليوم/المغرب

عزيزة مهبي؛ المرأة الفوسفاطية بخريبكة ، العاشقة لمهنة التعليم على السياقة، وسط الكثير من الرجال..!! بقلم عبد الرحيم هريوى

ماذا أصابك يا إعلامي زمانه و يا جمال ويا عزيز الصوت واللحن..!! بقلم عبد الرحيم هريوى

العين التي أعطت ضربة الجزاء للفتح الرياضي بدون الرجوع للفار هي العين نفسها التي ألغتها بنفس القرار بعدما شوهد الفار- بقلم الكاتب الفوسفاطي /:عبد الرحيم هريوى

"السوليما" الإفريقية بخريبكة بين قوسين..!ومحمد درويش يقول على هذه الأرض ما يستحق الحياة..!! عبد الرحيم هريوى..!

كلمة عن بعد ؛ عبر العالم الافتراضي كمشاركة منا في حق تكريم أستاذ لغة الضاد الأخ مصطفى الإيمالي بالثانوية التأهيلية عبد الله بن ياسين بٱنزكان - عبد الرحيم هريوى

ياسين بونو توأم لبادو الزاكي حارس مايوركا في زمانه..!! بقلم عبد الرحيم هريوى