حان وقت الرحيل إلى مدينة لا يعرفني فيها أحد..بقلم الأستاذة أنيسة الوردي- خريبكة اليوم -المغرب
حان وقت الرحيل… إلى مدينة لا يعرفني فيها أحد
حان وقت الرحيل…ليس هروبًا من الحياة، ولا استسلامًا لما مررنا به، بل رغبةً صادقة في أن نمنح أنفسنا فرصة أخرى للحياة، بعيدًا عن كل ما استنزف أرواحنا، وأثقل قلوبنا، وجعلنا نشعر بأننا غرباء حتى في الأماكن التي اعتقدنا يومًا أنها ستحتضننا.
لطالما كنت أقول إن الإنسان، حين تضيق به الحياة، يحتاج أحيانًا إلى أن يرحل إلى مكان لا يعرفه فيه أحد؛ مدينة جديدة، ووجوه جديدة، وشوارع لا تحمل ذكريات الأمس، وأماكن لا يضطر فيها إلى شرح نفسه لأحد، ولا إلى تبرير اختياراته، ولا إلى مواجهة أسئلة لا يريد الإجابة عنها. مكان يستطيع فيه أن يتنفس بحرية، وأن يبدأ من الصفر، وكأن الحياة تمنحه صفحة بيضاء ليكتب عليها ما يشاء.
في زحام المدن، وبين البيوت التي تجمع الأسر والعائلات، قد يبدو كل شيء عاديًا من الخارج، بينما تخفي الجدران حكايات لا يعلمها أحد، وتختبئ خلف الابتسامات خلافات وصراعات تستنزف راحة الإنسان. أحيانًا لا تكون المشكلة في المدينة نفسها، بل في التفاصيل التي ارتبطنا بها، وفي الأجواء التي لم نعد نجد فيها سلامنا الداخلي، وفي شعور يتسلل إلينا يومًا بعد آخر بأننا لم نعد ننتمي إلى المكان الذي نعيش فيه.
أما أنا، فقد وصلت إلى مرحلة أدركت فيها أن الرحيل ليس دائمًا خسارة، وأن البقاء في مكان لا نشعر فيه بالراحة ليس دليلًا على القوة. هناك أماكن نعيش فيها سنوات، لكنها لا تصبح يومًا موطنًا لأرواحنا، وهناك مدن لم نزرها بعد، لكنها قد تمنحنا من الطمأنينة ما عجزت عن منحه لنا الأماكن التي عرفناها طويلًا.
هذه المرة، لا أريد أن أكتفي بالحديث عن الرحيل، بل أفكر في أن أجعله بداية حقيقية. أن أغادر مدينة لم تكن يومًا حلمي، ولم أجد فيها راحتي كما تمنيت، وأن أذهب إلى مكان لا يعرفني فيه أحد، فلا يحمل الناس عني أحكامًا مسبقة، ولا يربطني فيه أحد بنسخة قديمة مني. أريد أن أكون هناك كما أنا، لا كما اعتاد الآخرون أن يروني.كم هو جميل أن تبدأ من جديد دون ضجيج، أن تستيقظ في صباح مختلف، وتسير في شوارع جديدة، وتكتشف أماكن لم تطأها قدماك من قبل، وتلتقي بأشخاص لا يعرفون شيئًا عنك، فتكون علاقتك بهم مبنية على ما أنت عليه اليوم، لا على ما كنت عليه بالأمس. أن تصنع لنفسك حياة تشبهك، وتستعيد شغفك، وتكتشف في داخلك طاقة ظننت أن الأيام قد أخذتها منك.
فالابتعاد أحيانًا يغيّر نظرتنا إلى الأشياء، ويعيد ترتيب أولوياتنا، ويمنحنا المسافة الكافية لنفهم أنفسنا بعيدًا عن الضجيج والتدخلات والذكريات المتعبة. وليس كل رحيل قطيعة، ولا كل بداية جديدة إنكارًا للماضي؛ فبعض البدايات تأتي لأننا أخيرًا قررنا أن نمنح أنفسنا ما تستحقه من راحة وفرص.لا أبحث عن مدينة مثالية، ولا عن حياة خالية من المشاكل، فأنا أعلم أن لكل مكان تحدياته، ولكل بداية صعوباتها. كل ما أبحث عنه هو مكان أستطيع فيه أن أعيش بسلام أكبر، وأن أوجّه طاقتي نحو أحلامي، وأن أتعرف إلى نفسي من جديد، بعيدًا عن كل ما جعلني أشعر بأنني عالقة في حياة لا تشبهني.
حان وقت الرحيل، وربما حان وقت أن أختار نفسي هذه المرة. أن أترك خلفي ما لم يعد يمنحني الطمأنينة، وأن أمضي نحو المجهول بقلب يؤمن بأن القادم قد يكون أجمل، لا لأن الطريق سيكون سهلًا، بل لأنني سأخوضه بإرادتي، وبروح مستعدة للتغيير.فأحيانًا، لا يحتاج الإنسان إلى أن تتغير الدنيا من حوله، بل يحتاج إلى أن يغيّر المكان الذي ينظر منه إلى الدنيا.وربما تكون أجمل حكاياتنا هي تلك التي تبدأ حين نغادر الأماكن التي لم نجد فيها أنفسنا، ونذهب إلى حيث نستطيع أن نلتقي بها من جديد.
ليست كل المدن وطنًا، وليست كل مغادرة خسارة… فبعض الرحيل عودةٌ إلى الذات، وبعض البدايات لا تحتاج سوى شجاعة الخطوة الأولى.

تعليقات
إرسال تعليق