حين تتلاقى القلوب الصادقة؛ بعد طول البعد والفراق…في لقاء شاعري مع ابن البلدة عربان الصديق...عبد الرحيم هريوى -خريبكة اليوم - المغرب




 حين تتلاقى القلوب الصادقة؛ بعد طول البعد والفراق…في لقاء شاعري مع ابن البلدة

"عربان الصديق"  



يقال عن  لقاء بين صديقين بعد طول الفراق

 

لحظة اللقاء تكون بمثابة استئناف لطيف لعلاقة قديمة لم تبرد، فنعود فوراً إلى نفس طابع المودة والألفة. 


اللقاء بعد طول غياب هو لحظة ترسم احداثها في لوحة ربيع العمر، تفرح القلوب، وتفيض بالوفاء الذي يروي الأحاسيس. 


****

كان اللقاء ممتعا بكل ألوان الطيف..وكان كل شيء هاهنا على طاولة المقهى يوحي بطبق ثقافي متنوع ومتجدد وبتوابل على مقاس من ذاكرة جماعية وزمانية ومكانية ظلت تشدنا للطفولة الأولى ونحن أطفال صغار بمدرسة المفاسيس صحبة وجوه كثيرة قد شاخت وهرمت ومنها من للعالم الآخر؛ قد غادرت…


 في لحظة هذا اللقاء؛ تذكرت أحد أبناء بلدتي- زرواطي محمد - لما التقيت معه صدفة بسطات بمحطة القطار بعد فراق طويل جدا..إذ أنه يقيم الآن،هناك بعاصمة الشاوية وهو يعمل كمقاول وقد اشتعل رأسه شيبة ..تكلمنا بلهفة عن طفولة الدراسة وذكرني بصورة ظلت معلقة في ذهنه، لما كنت أحمل الحمص في محفظتي الجلدية الطويلة، وكلما خرجنا للاستراحة جدت عليه بحبات معدودة من فاكهة الحمص …!


بالصدفة رآني من حيث لم أراه…!

قام بدورة كاملة خلف البنايات وعاد كي يتأكد من حقيقة ما رأى …!

أنا هو أنا…!

أم تشابهت رؤاه…!

اقترب مني كثيرا، وهو في سيارة جديدة، ضغط على منبه سيارته.في البداية لم أهتم لأنني كنت في حصة من حصص المشي اليومي.لكن لما توقفت السيارة بصفة نهائية، كان لا بد أن أهتم أكثر ،وبأن أنتبه لمن ذاك الذي يناديني بٱسمي…!

 فلم يكن إلا التاريخ الغابر جاء ساعتها في شكل خيالات من صور مدفونة كي يبحث عن صداه …!

إنه صديق قديم عشنا معا كل اللحظات الجميلة التي بنت أشياء كثيرة في سماء ذواتنا كأشخاص ببادية تواجدت فوق كنز أرضي لا تعرف منه إلا الغبار الفوسفاطي الذي تحمله الرياح مساءا من معمل بنيدير والساقية الحمراء التي ظلت بمياهها الملوثة تقطع شرايين ما تبقى من زراعة عبر حقول قمحنا وشعيرنا ...!


الأستاذ الرائع والجميل وأيقونة بلدة المفاسيس بٱمتياز..إنه وجه من وجوه"الثقافية القديمة"والتي سافرت عبرمختلف محطات الحياة في شتى مواقع الأرض من جغرافية هذا الوطن...شرب من آبار معرفية كثيرة ومتنوعة...وحفر في أكثر من مكان كصوفي أوزاهد أوولي صالح وجد في أرض الله الواسعة ضالته؛ وهو يحمل على عاتقه مسؤوليات عديدة في قطاع التربية والتعليم من مدينة الشهداء وادي زم عبورا بحطان إلى مدينة برشيد والعودة في الأخير إلى ثانوية البارد -ابن عبدون التأهيلية- والتي سيظل يمارس بها كمدير للمؤسسة تلك؛ حتى أن أنهى مساره المهني بقطاع تعليمي لا يمكن لك أن تخرج منه سالما غانما في كل الأحوال -إلا بالأعصاب وارتفاع الضغط والسكري-وذلك لما يعيشه من فصول وتقلبات جوية…وطقوس موسمية في عهد كل وزير جديد وحكومة، ولكل مزاج كان، ولكل العقليات ،ومعهم كل المقررات والمناهج ...وكأني بالشاعر أبي البقاء الرندي يكتب شعره عن حال غير حاله وتقلبات الزمن وصراعات الأجيال ،وتغيير الزمن و صروف الحياة :


لِكُلِّ شَيْءٍ إِذَا مَا تَمَّ نُقْصَانُ

فَلَا يُغَرَّ بِطِيبِ العَيْشِ إنْسَانُ

هِيَ الأمُورُ كَمَا شَاهَدْتُهَا دُوَلٌ

مَنْ سَرَّهُ زَمَنٌ سَاءتْهُ أزْمَانُ

وهذهِ الدارُ لا تُبْقي على أحدٍ

ولا يدومُ على حالٍ لها شانُ



كانت بالفعل؛ ساعات طويلة، وكأنه الدهر..عدنا فيها بحكايات قديمة دفنت وطمرت في ذاكرتنا الجماعية...وكان الباب جد مشرع على مصراعيه،لإعادة قراءة حياتنا هاته وتلك والتي صرفناها في عالم التدريس..

وكانت الراحة البيولوجية الدائمة عبر تقاعد لا عطلة فيه... ولا شرح ولا دروس ولا مناقشات... ولا عروض ولا تفسير…!


ظل صديقي البوهيمي؛ كما ألفت أن أسميه وأمازحه يخوض في مواضيع شتى وبأسماء غابرة من المفكرين والمؤرخين والفلاسفة لا تخزنها إلا ذاكرة تشبه ذاكرة صديقي وأخي عربان الصديق،حاولت أن أجاريه كلامه وأجاذبه أطراف الحديث عبر أسئلة وٱستفهامات…وحاولت في نفس الوقت بأن أستمع له أكثر فأكثر لبلاغة ودقة في الوصف والشرح والتعبير...ولأنني كنت أعلم جيدا بأن ذاكرته عبارة عن مكتبة جمعت ما جمعته من ثقافة ومعارف عبر عقود عديدة ،وهو الذي يحمل من الأفكار في مجالات ثقافية عديدة في الفكر والتاريخ والسياسة ما يجعلك أمام هامة من هامات المدرسة العمومية…ومن الذين حملوا مشعل التعليم ليتكلموا لغتهم عبر التدريس وبجل اللغات …!


كانت لحظات عشناها معا ؛ لا توصف،  بل لا يستطيع الحرف أن يوصفها عبر بعض الصور والدلالات والجمل والعبارات…

لقد كان الفضاء جميلا في هذه المقهى الجديدة التي فتحت أبوابها مؤخرا..وهي من المقاهي من الصنف الأول في مملكة المقاهي بمدينتنا الفوسفاطية والتي يبدو أن كل تجهيزاتها من النوع الراقي والممتاز..

وتظهر للزائر مثلي،وفي أول مرة ،وهي في أجمل وأبهى صورة وأرقاها… 

وبكل الالوان الرائعة والجميلة …

وأحب ما تعشقه العين في هكذا فضاءات…



وفي نهاية هذا الكلام ؛سوف لن أقل ما قاله محمود درويش" كان الليل أزرقا" بل كان الياسمين ينشر رائحته عبر الطرقات… وكان ليل يومنا في صورة راوي يسرد عن شوق وحنين وهو يحكي حكاية لقاء بين ظلين فرقتهما الحياة وسرعان ما ٱجتمعا كي يحكي كل ظل لصاحبه عن ما جمعه من روايات شبيهة إلى حد ما حياة سندباد البحري لصديقه السندباد البري بمدينة بغداد…



تعليقات

في رحاب عالم الأدب..

سي محمد خرميز أيقونة من أيقونات المدينة الفوسفاطية.. بقلم عبد الرحيم هريوى الدار البيضاء اليوم/المغرب

عزيزة مهبي؛ المرأة الفوسفاطية بخريبكة ، العاشقة لمهنة التعليم على السياقة، وسط الكثير من الرجال..!! بقلم عبد الرحيم هريوى

ماذا أصابك يا إعلامي زمانه و يا جمال ويا عزيز الصوت واللحن..!! بقلم عبد الرحيم هريوى

العين التي أعطت ضربة الجزاء للفتح الرياضي بدون الرجوع للفار هي العين نفسها التي ألغتها بنفس القرار بعدما شوهد الفار- بقلم الكاتب الفوسفاطي /:عبد الرحيم هريوى

"السوليما" الإفريقية بخريبكة بين قوسين..!ومحمد درويش يقول على هذه الأرض ما يستحق الحياة..!! عبد الرحيم هريوى..!

كلمة عن بعد ؛ عبر العالم الافتراضي كمشاركة منا في حق تكريم أستاذ لغة الضاد الأخ مصطفى الإيمالي بالثانوية التأهيلية عبد الله بن ياسين بٱنزكان - عبد الرحيم هريوى

ياسين بونو توأم لبادو الزاكي حارس مايوركا في زمانه..!! بقلم عبد الرحيم هريوى