حكاية لم تُحكَ بعد , جدتي الحاجة فاطنة قبلاني في ذاكرة خريبكة- خريبكة اليوم - المغرب

 


حكاية لم تُحكَ بعد...
جدتي الحاجة فاطنة قبلاني في ذاكرة خريبكة

​لم تكن وجهتي نحو مقر المندوبية الإقليمية للمقاومة وجيش التحرير سوى واجب مهني عابر، حيث جئت لأنسق تفاصيل الاحتفاء بعيد الوحدة ضمن فعاليات "ملتقى الثقافة العاشر" الذي ينظمه منتدى الآفاق للثقافة والتنمية. كان ذهني مشغولاً بجدول الأعمال وبرامج الندوات، حتى دار بيني وبين السيد المندوب حديثٌ عن المقاومين والمناضلين الذين صنعوا تاريخ خريبكة.

​وفي غمرة ذلك النقاش المهني، اندفعت من أعماقي جملةٌ لم أخطط لها، فقلت له بنبرة هادئة: «إن جدتي مقاومة أيضاً».

​توقف المندوب عن الحديث، وبدت عليه علامات التفاجؤ والفضول، ثم سألني باستغراب: «ما اسمها؟».
​أجبت بثقة يملؤها الاعتزاز: «الحاجة فاطنة قبلاني».

​أشار إليّ بالتقدم نحو الصور المعلقة على الجدران، وهناك، وسط الركام الشفيف للتاريخ وصمت المكان، وقعت عيناي على وجه أعرف أدق ملامحه، على عيون كانت ترعاني وتفيض دفئاً. كانت هي... جدتي.
​تسمرت في مكاني، وتلاشت من ذهني كل تفاصيل الملتقى والأنشطة الثقافية. تداخلت الدهشة مع الفخر في قشعريرة سرت في جسدي؛ كانت تلك المرة الأولى التي ألتقي فيها بجدتي خارج حدود البيت والأسرة. لم تعد مجرد "أم" و"جدة" من جيل حفر الصبر في ملامحه، بل أضحت هنا، وبشكل رسمي، قطعة أصيلة من ذاكرة الوطن.

​وقف السؤال يمارس سطوته على وجداني: كم من الناس يعرفون من هي فاطنة قبلاني؟
​صورتها المعلقة تحفظ الملامح، لكنها لا تحكي الحكاية. شعرتُ حينها بألم صامت؛ فهذه المرأة، وكثيرات غيرها من نساء المقاومة اللواتي طواهن الظل، لم يكن عطاؤهن أقل، بل كان التوثيق هو الذي أخطأ طريقه إليهن. إن الوفاء الحقيقي لأولئك الراحلين لا يكون بترك صورهم صامتة على أوتاد الجدران، بل بنفخ الروح في أسمائهم وتحويلها إلى سيرٍ حية تنبض في عقول الأجيال.

​لقد ذهبتُ إلى المندوبية بحثاً عن نشاط ثقافي، فعدتُ بمسؤولية أخلاقية وتاريخية تجاه أصولي. أدركت في تلك اللحظة العميقة أن الثقافة ليست مجرد ندوات ننظمها، بل هي هذا الحبل الممتد بيننا وبين الذين بذلوا أنفسهم ليبقى هذا الوطن.

​فاطنة قبلاني... ليست مجرد اسم في أرشيف خريبكة، بل حكاية لم تُرَوَ بعد، وأنا اليوم أخط أولى كلماتها.

تعليقات

في رحاب عالم الأدب..

سي محمد خرميز أيقونة من أيقونات المدينة الفوسفاطية.. بقلم عبد الرحيم هريوى الدار البيضاء اليوم/المغرب

عزيزة مهبي؛ المرأة الفوسفاطية بخريبكة ، العاشقة لمهنة التعليم على السياقة، وسط الكثير من الرجال..!! بقلم عبد الرحيم هريوى

ماذا أصابك يا إعلامي زمانه و يا جمال ويا عزيز الصوت واللحن..!! بقلم عبد الرحيم هريوى

العين التي أعطت ضربة الجزاء للفتح الرياضي بدون الرجوع للفار هي العين نفسها التي ألغتها بنفس القرار بعدما شوهد الفار- بقلم الكاتب الفوسفاطي /:عبد الرحيم هريوى

"السوليما" الإفريقية بخريبكة بين قوسين..!ومحمد درويش يقول على هذه الأرض ما يستحق الحياة..!! عبد الرحيم هريوى..!

كلمة عن بعد ؛ عبر العالم الافتراضي كمشاركة منا في حق تكريم أستاذ لغة الضاد الأخ مصطفى الإيمالي بالثانوية التأهيلية عبد الله بن ياسين بٱنزكان - عبد الرحيم هريوى

ياسين بونو توأم لبادو الزاكي حارس مايوركا في زمانه..!! بقلم عبد الرحيم هريوى