كأن أحدا لم يخن أحدا في طريق على مشرب السفر يأخدنا الأديب خالد أخازي عبر كلمات من أجراس .خريبكة اليوم - المغرب
كأن أحدا لم يخن أحدا
على مشرب السفر
الهارب من حقيبة القدر،
قنينة حائرة،
خفية الضجر،
تفتش عن أثر الوجع
في عيون من فضّ رهبنتها،
أكفّ كثيرة...
تغازل كأسا منسية
في روح منفية.
رجالٌ يبعثرون الرتابة،
حوّلوا حديث الحانة
إلى حكايات ودعابات،
وغرقوا في سرد أمجاد
تخلفت عن حبر الرواة
لكنها...هنا...
بين الصخب الجميل
ترمّم خيبات الحياة
تلقن دفاتر الذكريات
افتراء الحكي والصهيل.
كل كلامٍ مباحٌ هنا...
حدّ البكاء.. والأنين
عن النساء والمعتقلات،
عن الاختفاء والرغبات...
حينها...
تختفي أبراج بابل اللعينة،
وتنمو في الأحلام البعيدة
لآلهة الإغريق البشرية
نزواتٌ تلغي الخرائط،
تعطل المواعيد والمواعظ...
فحين يجري ماء الغفوة
نحو شفاه حزينة العبر
يقدم الطيش حجة النبيذ
حين يُتّهم بالفوضى،
وليست غير قصة قديمة،
عن سر الهروب من الحقيقة.
وما الحقيقة؟
يسأل من أرخى
ستائر البوح القصي
حين يزخف ظل حانة
نحو مساء الوجع
فيطوي غريق الصحارى
صفحة من كتاب
لحوح الفتوة والارتباب
المشرب غير متهم..
كما قال سكيرٌ حكيم:
فالليل والخمر
لا يجتمعان عنوة
إلا في عبق امرأةٍ تجيد
جلد الشهوة...
عيون الهاربين من الصحوة
يقتات منها السهر،
تغفو ولا تخبو.
وهنا...
رخصة استثنائية
لكل حكيمٍ منيع القضية،
للعناق والبكاء،
ليكون بشري العبور
في حلم حانة لعينة
فهنا... البوح احتمال شهي
لك أيها الفيلسوف الشقي
أن تبكي وتحكي...
أن تتهم الشارع بالبذاءة
وترفع نخبا لامرأة مرتلجة السهر
ذات كعب عالي الوقع
وخلخال وموال وحفيف
فاحك...!
فالحكي شفاء
من متلازمة كهف أفلاطون،
واستراحة من لعنة الحكمة
فكثرة القراءة الغارقة
وجع....وجع..
عذاب وغربة
ثم... عزلة ...
موت خفي الطلعة.
هنا...
مباحٌ لك أيتها الغيمة
أن تشاركي الشعراء
حق الغواية والفناء،
حين تخرجين للتسكع
مع ضوء مصباح حزين
حق... لك...
أن تحلمي بحياة قصيدة
لم ترهقها شتائم الرصيف
فكلنا... ظلال هاربة
من رتابة الجدار والانتظار
لا ندقق في جرد النزوات
ولا أحد.... يتهم
أصابع الشهوة المرتعشة
حين تطوّق خصر الوسادة.
الليل الشقي...هنا فقط...
يشهر حق الصغينة
فيلعن وجه القناع
حين يفتي ساكن الجراح
في جنة الصبر المؤجلة.
هنا....
كلما هجر نصفُ إلاه...
دهشة العابرين،
اتهم الأكفَّ
بعبادة نهر الخلية،
وتمنّى ليلةً غابرة
في حديقة البشرية...
كثيرا... ما ترقص عارية
خطيئة المحبرات المخيفة
حين ترتكب حلم المجرات
حينا....في بقايا قبيلة بائدة
وحينا في شغف غابة غامضة..
فحين تسكر الأمجاد الرخوية
نتذكّر القبيلة والزاوية،
نصبح شرفاء...
من سلالة نادرة الخيول
وغيرنا... نراه مجرد صدى
لحريم النسيان
فنسمح للطرقات الخفية
أن تخلع عيونها
وتمنحها لأناتنا الطافحة.
اليوم نخرب أفكارنا،
لتمشي الغابة في ضواحي الروح .
فكأسُ نارٍ في جوف الليل،
تكفي لإيقاظ عين النزيف،
لنعد أدراجنا ...
فبيننا..
خائنون ومخبرون...
وشهود على الجنون،
كم أكثرنا الكلامَ عن الكلام
الكلمات تغدو خارج النظريات
ممرات سرية إلى أنفسنا.
تلك المتاهات علّمتنا
أن نقلب ألف مرة
حقيبة الحكايات.
كم من حكاية حزينة
صارت ممرًا للمنافي،
وكم من رفقة حارقة،
صارت سرجًا
لصهوة الغياب
كلٌّ يدّعي أنه جزء من ريح،
أو ذرة من مجرّة البدايات....
وحين تخرج من الزوايا المظلمة
قطط الليل وكلابه،
وتُغلق الأبواب،
تنشر الحناجرُ
غسيل الاعتراف.
فيبعثرنا الماء العاري،
ويستنزف ما تبقى
من رمق جريح
في شريان الحياة
بالموت الغبي...
كل مساء...
أمام ساقي الوجع
يحكي قديمنا
عن كونياكٍ شاخ في قنينته،
وعن نبيذٍ فقد أجراسه،
وعن راقصاتٍ غادرن المكان،
وبقيت ظلالهنّ
على المقاعد.
نوزّع الحكايات بصمتٍ ثقيل
أمام مرآة،
وفي المراحيض
نختبر خصوبة الوهم
وسط الهذر والصخب.
بنات الليل يعرّين
صومَ العابثين،
ينزلن أنصاف الآلهةَ
من معابدها العالية،
فتصير أقلّ من بشرية.
تتكسر الأقداح،
وتروي الزوايا المظلمة
حانة «سفاكنس» الشهية
تحب لعبتها القديمة
كشف رغوةَ العبارات،
والمشي بلا أحذية...
ثديٌ طائش من نحرٍ بهيّ
يشقّ أدغال الماء الضجر،
فتسقط الحكايات القديمة...
ما زال بيننا مخبرٌ وخائن
ينصت لهمس الأقداح،
ويختفي
قبل نضج الكلام.
وعندما ينفض الساهرون
لا يفضل من الليل
غير معاطفهم منسية
فتغسل الحانةُ كؤوسها،
وتعيد ترتيب المقاعد،
كأن أحدًا لم يعترف،
وكأن أحدًا لم يخن أحدًا.

تعليقات
إرسال تعليق